وضع داكن
19-03-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 069 ب - اسم الله الولي 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان ولاية عامة وولاية خاصة:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا مع اسم الولي، فالله جلّ جلاله هو الولي، أي هو المتولي لأمور خلقه قاطبة، القائم على تدبير ملكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾

[ سورة الرعد ]

يتابع كل إنسان، إن كان حاله جيداً أكرمه، وإن كان بعيداً عالجه، هو المتولي لأمور خلقه، يُمدّهم بما يحتاجونه، ويربي نفوسهم.
أيها الإخوة؛ أحد كبار العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان؛ ولاية عامة، وولاية خاصة، فالولاية العامة هي ولاية الله لشؤون عباده، شؤون، شأن رزقهم، شأن علاقاتهم، شأن معالجتهم، شأن تربيتهم، الولاية العامة ولاية الله لشؤون عباده، وتكفله بأرزاقهم، أي للتقريب بستان فيه شجر التفاح، الشجرة السابعة، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، قُسِمت له، فلان مخير، إما أن يشتريها بماله الحلال، وإما أن يأكلها ضيافة، وإما أن تُقدم له هدية، وإما أن يتسولها، وإما أن يسرقها، وهي له، طريقة وصول رزق الإنسان باختياره، أما هذا الشيء الذي أكله أو انتفع به هو في الأصل له، بين أن يأخذه حلالاً فيرقى وبين أن يأخذه حراماً فيسقط.
إذاً يتولى شؤون عباده، ويتكفل أرزاقهم، وتدبيره لأحوالهم، أي إنسان تكبّر، ساق الله له علاجاً حجّمه، هذا السلوك تأديب له، إنسان تصدّق، ضاعف الله له رزقه، شجعه، أيقن أن الله يعطي، وهو جزيل العطاء، إذاً إذا كان هناك خطأ يُعالج، إذا كان هناك صواب يُشَجّع، هذا معنى تربيته لأحوالهم، وتمكينه من الفعل والاستطاعة، الفعل فعل الله، الإنسان حينما يختار شيئاً، وينطلق إليه يعطيه الله قوة لتنفيذه، أيضاً هذا ينضوي تحت اسم الولي، يرزقهم، يُدَبِّر أحوالهم، يربيهم، يُمَكّنهم من فعل ما اختاروا، لكن قد يسأل سائل: أنت مخير، فالذي اختار أن يؤذي يؤذي من؟ هو اختار أن يؤذي لكن الله يسوقه إلى من يكون الإيذاء بحقه حكمة، قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾

[ سورة الأنعام ]

 

الولاية العامة:


أيها الإخوة؛ الله الولي حينما تسأله شيئاً يعطيك أسبابه، الله الولي يدبر شؤون عباده، الله الولي يتكفل بأرزاقهم، الله الولي يُدبر أحوالهم، الله الولي يُربيهم، يُكرمهم أو يُؤدبهم، الله الولي يُمكنهم من تحقيق اختيارهم، يُعطيهم القوة على أن يحققوا ما اختاروا، الله الولي يعطيهم أسباب ما يسألونه، إنسان سأل الله الرزق، يلهمه أن يفعل شيئاً ما، أن يلتقي بإنسان، أن يشارك إنساناً، أي يُمكّن الإنسان من الفعل، ويعطيه أسباب طلبه، وقد يعطيه علة ما يبتغيه، هذه الولاية العامة، الله ولي كل عباده، كل خلقه.
الولاية العامة تقتضي العناية، والتدبير، وتصريف الأمور، وتدبير المقادير، فالله من فوق عرشه قريب من عباده، هو معهم بعلمه، يرى ما يفعلون، يسمع شكواهم، يعلم أحوالهم، والآية الكريمة:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾

[ سورة ق  ]

أي أقرب إليه من روحه، أقرب إليه من قلبه، هذه ولاية عامة، ولاية إمداد، ولاية تربية، ولاية معالجة، ولاية مكافأة، ولاية تأديب، ولاية تمكين، ولاية إعطاء أسباب ما سأله الإنسان، ولاية أن يعطي للمعلول علته.
 

الولاية الخاصة:


أما الولاية الخاصة هذه تعني المؤمنين، ولاية الله للمؤمنين ولاية حفظ، الآية الكريمة قد يغيب معناها عن معظم المؤمنين:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾

[ سورة التوبة ]

﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ لم يقل علينا، أي المؤمن الصادق، المستقيم لا ينبغي أن يتشاءم، لأن الله يُطمئنه، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ، ﴿لَنْ﴾ لتأبيد النفي، ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ من خير، من حفظ، من عطاء، من توفيق، من نصر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾

[  سورة فصلت ]

 

معاملة الله المؤمن معاملة خاصة وعدم تخليه عنه:


أيها الأخ المؤمن؛ أيها المستقيم على أمر الله، يا من تخطب ودّ الله، يجب أن تؤمن يقيناً أن الله لا يتخلى عنك، ولك عنده معاملة خاصة، يؤكد هذا آيات كثيرة:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[ سورة القصص ]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

في الدنيا، ﴿وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن وعد الله فوق كل ظرف، بأي بلد؛ متقدم، متخلف، غني، فقير، يوجد شدة عامة، يوجد غلاء، يوجد وضع صعب، إذا وعد الله المؤمن بحياة طيبة فلابد من أن يصل إليها، في أي ظرف.
 

الولاية الخاصة للمؤمن ولاية نصر وتأييد وحفظ وتمكين:


إذاً الله عز وجل يُدبر حياة المؤمنين بولايته الخاصة، المؤمن ينصره الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

[ سورة غافر  ]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[  سورة الصافات  ]

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة الروم ]

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

[ سورة النور ]

قطعاً، يقيناً: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾ ولاية خاصة، وعدك بالنصر، وعدك بالحفظ:

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]

وعدك بالتأييد، وعدك بالتوفيق، قال تعالى:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾

[ سورة هود ]

لا يتحقق شيء في الكون إلا بمشيئة الله، الولاية الخاصة ولاية نصر، وتأييد، وحفظ، وتمكين.
 

من طبق منهج الله عز وجل سعِد في الدنيا والآخرة:


الله عز وجل يقول في آيات كثيرة منها:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾

[ سورة البقرة ]

أي المؤمن-دققوا-يطبق منهج الله، يقيم شرع الله، وقّاف عند حدود الله، يُنَفّذ ما أمر الله، ينتهي عما نهى عنه الله، هذا فعله، الله عز وجل يُمكّنه لأنه استقام على أمره، الآن والمؤمن الصادق يخضع لنظم الله، لقوانين الله، للتقريب: إنسان ضغطه مرتفع، قال له الطبيب: دع الملح وإلا مشكلة كبيرة، هذا الضغط المرتفع هو القاتل الصامت، لا يوجد مؤمن يقول: يا أخي توكل على الله، كُلْ ما تشتهي، لا، المؤمن الصادق، كما أنه يصلي، ويصوم، ويحج، ويؤدي زكاة ماله، يخضع لأوامر الطبيب، لأن الطبيب يقدم له تعريفاً بقوانين هذا الجسم، فبطولة المؤمن أنه يُطبّق قوانين الله عز وجل كما يطبق شرعه، هو يطيعه كونياً وشرعياً، أي مثل:
 إنسان راكب طائرة، أراد أن يقفز منها، يوجد للسقوط قانون، إذا آمن بقانون السقوط يخرج من الطائرة ومعه مظلة، المظلة مبنية على قانون السقوط، له وزن، والمظلة في مساحة من القماش الكتيم واسعة جداً حينما يستخدمها هذه المساحة تقاوم الهواء فيسقط بشكل بطيء، وينزل سالماً، ما معنى أن تستخدم المظلة؟ إنك تتأدب مع قانون السقوط، أما الذي رفض هذا القانون، واحتقره، وازدراه، وقال: لا قيمة له، وقفز من دون مظلة، إذا احتقره، أو رفضه، أو لم يعبأ به، هل يُعَطِّل فعله؟ لا، القانون نافذ فيك، آمنت به أو لم تؤمن، قدرته أو لم تقدره، احترمته أو احتقرته، القانون نافذ فيك.
أي سواء احترمت قوانين الله عز وجل أم لم تحترمها هي نافذة فيك، والمشكلة المؤلمة أن الطرف الآخر الغرب احترم هذه القوانين، فطبقها فملك الدنيا، وكان من الممكن أن يقف المسلمون هذا الموقف، كما أنهم طبقوا منهج ربهم أخذوا بأسباب الرزق، أخذوا بأسباب القوة، أخذوا بأسباب المنعة.
 

على المؤمن أن يطبق منهج الله ويتعرف إلى قوانينه ليمتلك أسباب القوة:


أقول لكم من أعماق قلبي: كما أنك تطيع الله في منهجه ينبغي أن تتعرف إلى قوانينه، وأن تأخذ بها، لتمتلك أسباب القوة، والدليل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]

كلام يجب أن يلفت النظر، أنت تصلي لأن الله أمرك بالصلاة، وأنت تصوم لأن الله أمرك بالصيام، وأنت تحج بيت الله الحرام لأن الله أمرك بالحج، وينبغي أن تتعلم قوانين ربنا الطبيعية، الرزق يحتاج إلى سعي، يحتاج إلى استصلاح أراض، يحتاج إلى إنشاء سدود، يحتاج إلى استخراج ثروات، يحتاج إلى تصنيع، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، ويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها، ويل لأمة تشتري السلاح شراء، لأن القرار عندئذٍ ليس بملكك، ما دمت تشتري السلاح شراء، فالمسلمون ولو أطاعوا ربهم في منهجه ينبغي أن يتعرفوا إلى قوانينه، ويأخذوا بها، أي إنسان أخذ بهذه القوانين مَلَكها، والغرب لمئتي عام سبقت يعمل ليلاً نهاراً حتى مَلَك أسباب القوة، فلما مَلَك أسباب القوة فرض ثقافته على كل الشعوب، هذه الصحون التي على السطوح نوع من الغزو الثقافي، أليس كذلك؟ فرض ثقافته علينا.
 

على المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:


لذلك أيها الإخوة؛ المؤمن تلتقي عنده الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، كما أنه يأخذ بأسباب المنهج الإلهي يأخذ بأسباب قوانين الله عز وجل، وأي مؤمن مُكلّف أن يكون قوياً من خلال هذه الآيات، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ جاءت نكرة، تنكير شمول، الإعلام قوة، الأقمار الصناعية قوة، التماسك قوة، الانتماء إلى المجموع قوة، نظام فريق العمل قوة، ترشيد الاستهلاك قوة، العمل المؤسساتي قوة، لو بحثنا عن أسباب قوة الطرف الآخر لوجدناه في التعاون، مع أن التعاون أمر إلهي لنا، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾

[ سورة المائدة ]

الدول القوية الآن تتعاون تعاوناً مذهلاً، على باطل، أي حركة ثلاثون دولة تتحالف مع هذه الدولة القوية، التعاون، الانتماء للمجموع، العمل المؤسساتي، نظام فريق العمل، ترشيد الاستهلاك، هذا كله يرقى بالأمة.
 

عدم انتصار المؤمن إلا إذا اجتمعت عنده الإرادة الكونية والشرعية:


لذلك المؤمن اجتمعت عنده الإرادة الكونية والشرعية فاستحق نصر الله، المؤمن المُقصّر اجتمعت عنده الإرادة الشرعية، ولم تجتمع عنده الإرادة الكونية، لم يأخذ بالأسباب، توكل على الله توكلاً ساذجاً، أي الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كما أنك متوكل تأخذ بكل الأسباب، أي عندك سفر تُراجع مركبتك مراجعة تامة، وبعد أن تراجعها تقول: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المُسلّم.
شيء دقيق، التطرف سهل، سهل جداً كما فعل الغرب، أن يأخذ الإنسان بالأسباب، وأن ينسى مُسببها، وأن يعتمد عليها، وأن يؤلهها، أخذوا بالأسباب فأشركوا، وسهل أيضاً أن تكون ساذجاً، ألا تأخذ بها، الله يحبنا، الله ينصرنا، لا ينصرك الله عز وجل إلا إذا أديت أسباب النصر، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل: حَسبيَ الله ونعم الوكيل.
 

بطولة الإنسان أن يستوعب الحق وعندئذٍ يكون الحق مقياساً له بكل شيء:


أيها الإخوة الكرام؛ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الظلمات جمع، ﴿إِلَى النُّورِ﴾ مفرد، لأن الحق لا يتعدد أما الباطل متعدد، ماذا يستنبط؟ العمر القصير الذي منحه الله لنا، هذه الستون سنة، هذه الخامسة والستون، هذه السبعون، هذا عمر قصير، هذا العمر القصير كافٍ أن تستوعب فيه الحق، أما أن تستوعب الباطل لأنه يوجد مليون باطل، لو فرضنا الفرقة الضالة الفلانية تحتاج إلى ثلاثين سنة دراسة، أسباب نشوئها؟ من قادها؟ ما مصيرها؟ ما تاريخها؟ ما رجالاتها؟ الباطل متعدد، لا يكفيك ولا مليون سنة كي تستوعب الباطل، لذلك البطولة أن تستوعب الحق، وعندئذٍ يكون الحق مقياساً لك لكل شيء، أما أن تقرأ كل شيء فوق طاقة البشر، ما يطبع في اليوم الواحد يمكن بالإحصاء قرأته من عشرين سنة، ما يطبع في يوم واحد من كتب باللغة الإنكليزية لا يستطع المرء قراءتها في مئتي عام، الباطل واسع جداً، استوعب الحق، وهذا الحق يغدو مقياساً لك، إذاً: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ النور واحد، يؤكد هذا المعنى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

[ سورة الأنعام ]

بين نقطتين لا يُرسم معك إلا خط مستقيم واحد، لكن بين نقطتين لك أن ترسم مليون خط منحن، ومليون خط منكسر، أما بين نقطتين خط مستقيم واحد، لذلك الحق لا يتعدد، لذلك الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد ولا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.
 

من أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له وتوكلنا عليه:


أيها الإخوة؛ قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾

[ سورة يونس ]

﴿ أنت يجب أن تكون ولياً لله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من هم؟ يوجد تعريف للولي قرآني، قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

[ سورة يونس ]

فقط، تعريف بسيط، جامع، مانع، كل مؤمن يجب أن يكون ولياً لله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ دقق ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بالمستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بالماضي، ما هذه الآية؟ غطت الماضي، والحاضر، والمستقبل، أنت مؤمن، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في المستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الماضي، من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
 

من كان الله معه فمن عليه؟


لذلك سيدنا موسى ماذا قال أصحابه؟

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

[ سورة يونس ]

سيدنا إبراهيم ألقي في النار فقال الله للنار:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾

[ سورة الأنبياء ]

سيدنا محمد وهو في الغار يقول له الصديق:

(( عن أبي بكر الصديق: قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ، فقال: يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما. ))

[  سنن الترمذي حسن صحيح غريب، أخرجه البخاري، ومسلم والترمذي واللفظ له ]

إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ من أجل أن يكون الله وليك ينبغي أن تكون وليه، أي بطاعته، وعبادته، والتقرب إليه، عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، فمن أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له، ومعرفتنا به، وتوكلنا عليه.
أيها الإخوة؛ الخير كله، والنجاح كله، والفلاح كله، والتوفيق كله، والتفوق كله أن تكون ولياً لله، ولن تكون ولياً له إلا إذا أطعته.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور